الشيخ محمد الصادقي الطهراني
286
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وليس الذهب والفضة هنا كما في سواه مما تذكران إلا عنواناً ونموذجاً غالياً للثروة دائماً ، والنقد الرائح زمن نزول الوحي ، فهما تعبيران من الثروات المحتاج إليها في إدارة شؤون الحياة ، مهما كانت أوراقاً نقدية كما اليوم ، أم أراضي ومعامل وسيارات وسفن وطائرات « 1 » فإنها حين تجمد دونما فائدةٍ هي كنوزٌ يجب إنفاقها في سبيل اللَّه ، حيث هي خارجة عن حاجيات أصحابها ، فلتنفق أعيانها أو منافعها بإشغالها في سبيل اللَّه . وأقل الكنز ما أدي زكاته المفروضة وهو من حِلٍّ ، وأكثره ما لم تؤد زكاته وليس من حلّ وبينهما عوان ، والكنز صادق في هذه الحالات كلها ، وهو محظور على أية حال ، لأنه هو موضوع الحرمة بصورة طليقة ، فما صدق أنه كنز شمله حكمه مهما اختلفت دركاته . وقد « نظر عثمان بن عفان إلى كعب الأحبار فقال له يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيءٌ ؟ فقال : لا - / ولو أتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شيءٌ ، فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثم قال له : يا بن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين ! قول اللَّه أصدق من قولك حيث قال : « والذين يكنزون . . . » « 2 » والأحاديث التي تقول المال الذي أدى زكاته فليس بكنز « 3 » لا تعني النصابات المقررة المعنية من ربع العشر إلى العشر وإلى الخمس ، بل هي
--> ( 1 ) ) . كما عن الإمام الباقر عليه السلام أنه سئل عن الدنانير والدراهم وما على الناس فقال : هي خواتيم اللَّه في أرضه جعلها اللَّه مصلحة لخلقه وبها يستقيم شؤونهم ومطالبهم فمن أكثر له منها فقام بحق اللَّه فيها وأدى زكاتها فذاك الذي طلبه وخلص له ومن أكثر له منها فيخل بها ولم يوءَد حق اللَّه فيها وأتخذ منها الأبنية فذاك الذي حق عليه وعيد اللَّه عزَّ وجلَّ في كتابته : « يوم يحمى عليها في نار جهنم . . . » ( 2 ) ) . نور الثقلين 2 : 213 في تفسير علي بن إبراهيم ، حديث طويل وفيه نظر عثمان بن عفان . . . . أقول : وهذه المحاولة الأرستقراطية العثمانية تتبين أكثر حين حاول أن يسقط الواو من آية الكنز حصراً لها بأهل الكتاب حتى لا تشمله هو وأضرابه من الأثرياء ( 3 ) ) . الدر المنثور 3 : 332 - / أخرج ابن عدي والخطيب عن جابر قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « أي مال أديت زكاته فليسبكنز » وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر موقوفاً ، وفيه أخرج ابن مردويه والبيهقي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة أفكنز هو ؟ قال : كل شيء تؤدي زكاته فليس بكنز . وفي نور الثقلين 3 : 213 في أمالي الشيخ بإسناده لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : كل مال تؤدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض . وفيه أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز . وفيه عن الكافي بسند متصل عن معاذ بن كثير قال سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه حتى يأتيه به فيستعين به على عدوه وهو قول اللَّه عز وجل في كتابه « والذين . . . . » أقول : هذا حكم مصلحي في تجزءة حكم الآية حفاظاً على حاجيات الدولة الإسلامية الكبرى إذا قامت ، وهدماً لدويلات الجور بترك مساعدتها من زائد الإنفاق من الكنوز ، ولكن فيه أن سبيل اللَّه لا تختص بما تقرره الدولة . وفيه عن أبي جعفر عليهما السلام في الآية فإن اللَّه حرم كنزل الذهب والفضة وأمر بانفاقه في سبيل اللَّه وقوله : يوم يحمى عليها . . . قال عليه السلام كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام فينادي بأعلى صوته : بشر أهل الكنوز بكيٍّ في الجباه وكي بالجنوب وكي بالظهور أبداً حتى يتردد الحر في أجوافهم . وفيه عن الخصال عن الحارث قال قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم . وفي الدر المنثور 3 : 233 - / أخرج البخاري ومسلم وأبو داود وابن منذر وأبن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلى أهلها جعلت له يوم القيامة صفائح ثم احمي عليها في نار جهنم ثم يكوي بها جبينه وجبهته وظهوره في يوم ان مقداره خمسين ألف سنته حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله اما إلى الجنة واما إلى النار . وفيه أخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا يوضع الدينار على الدينار ولا الدرهم على الدرهم ولكن يوسع اللَّه جلده فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم . . . » . وفيه أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : الدينار كنز والدرهم كنز والقيراط كنز . وفيه أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن ثوبات قال كان نصل سيف أبي هريرة من فصة فقال له أبو ذر أما سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : ما من رجل ترك صفراء ولا بيضاء إلا كوى بها ؟ وفيه أخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : ما من أحد يموت فيترك صفراء أو بيضاء إلا كوي بها يوم القيامة مغفوراً له بعد أو معذباً . وفيه أخرج أحمد في الزهد عن أبي قال : ذو الدرهمين أشد حبساً من ذي الدرهم . وفيه أخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال : جلست إلى ملأ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل ، ثم ولى وجلس إلى سارية وتبعته وجلت إليه وأنا لا أدري من هو فقلت لا أرى القوم إلا وهو كره وما قالت ، قال : إنهم لا يعقلون شيئاً قال لي خليلي ، قلت : من خليلك ؟ قال النبي صلى الله عليه وآله أتبصر أحداً ، قلت : نعم قال ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهباً أنفقته كله إلا ثلاثة دنانير وإن هؤلاء لا يعقلون إنما يجمعون للدنيا واللَّه لا أسألهم دنيا ولا استفتيهم عن دين حتى ألقى اللَّه عزَّ وجلَّ . أقول : لقد آل أمر أبي ذر في تشدده على الأثرياء لحد شاع وضاع بين المسلمين فاعتُذر له ما أخرجه أحمد والطبراني عن شداد بن أوس قال : كان أبو ذر يسمع من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الأمر فيه الشدة ثم يخرج إلى باديته ثم يرخص فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بعد ذلك فيحفظ من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله في ذلك الأمر الرخصة فلا يسمعها أبو ذر فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك . وفيه أخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من أبي سعيد الخدري عن بلال قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : يا بلال ألق اللَّه فقيراً ولا تلقه غنياً ، قلت : وكيف لي بذلك ؟ قال : إذا رزقت فلا تخبأ وإذا سئلت فلا تمنع ، قلت : وكيف لي بذلك ، قال : هو ذاك وإلا فالنار